نوقشت في كلية التربية للعلوم الانسانية قسم اللغة العربية رسالة الماجستير للطالب محمد حامد عبدالله الشّرابي ، الموسومة (جمالية النص الساخر قراءة نقدية في شعر أحمد جارالله).
اتجهتِ النصوصُ الشعريةُ الساخرةُ في العصرِ الحديثِ باتجاهاتٍ متنوعةٍ فنياً , حققتْ فيها قراءاتٌ متعددةٌ وجديدةٌ عبرَ مشاركَتِها في إنتاجِ اللعبةِ الدلاليةِ , مدركةً أن وراءَها مسافاتٌ جماليةٌ قادرةً على الإيحاءِ والتشظّي للمعاني المغلقةِ والمنفتحةِ في آنٍ واحدٍ , مما يمنحُ المتلقي أيضاً تدفقاً شعورياً يُسهمُ في كسرِ نمطيةَ القراءةَ بالدهشةِ والغرابةِ. وقد نالتِ السخريةُ عنايةَ النقادِ ؛ بهدفِ الوصولِ إلى حقيقتِها ومعرفةِ أطوارِها الدلاليةَ على مرِ العصورِ ، وتوضيحِ غايتِها الساميةَ عبرَ سعيها في رصدِ عيوبِ المجتمعِ بقصدِ إصلاحِها , فهي إحدى الوسائلُ المتعددةِ التي يلجأُ إليها الشعراءُ ؛ ليعبِّروا عن ما يجولُ في خواطرِهم من أفكارٍ بأسلوبِ النقدِ الساخرِ لواقعِ المجتمعاتِ. وإن الدراساتِ الأكاديميةَ في الكتابةِ الساخرةِ المعاصرةِ وبحدودِ إطلاعِ الباحثِ قليلةٌ نوعاً ما ؛ ربما لأنّها كتابةٌ إشكالية فمنها ما يتّسمُ بالطابعِ التهكمي المحضِ ، ومنها ما يتداخلُ مع طبيعةِ الأدبِ. وبهذا التصورِ وجدَ الباحثُ أن في دراسةِ السخريةَ حاجةً ملحةً للإنسانِ لا غنىَ لهُ عنّها , بعد أن أصبحتْ لها أبعادٌ فكريةٌ مميزةٌ , والتي تتحققُ ربّما بالمضمونِ المستترِ , أو بإيحاءاتِ الأساليبِ المعبرةِ المثيرةِ.
ولقد توصلت الرسالة الى عدد من النتائج اهمها:
1- إن مفهوم السخرية قد تأصل في نقدنا العربي القديم عند عدد من الشعراء والكتّاب القدماء , وظهرت بأنها حس فكاهي مرتبط بالإنسان والمجتمع. وهي تسهم في تنشيط وعي الإنسان وتخفيف ضغوطات الحياة عليه.
2- شكّلت السخرية معلماً واضحاً في النصوص الشعرية لأحمد جارالله , إذ أراد عبر تعضيد نصوصه بالسخرية إضافة شحنة من الطاقات الإيحائية تسهم في تخصيب جمالياتها , وتفتن المتلقي بالبحث عن مدلولاتها المتوارية , محققة النقد الهادف لقضايا المجتمع السلبية بالمعالجة والإصلاح. وإن مهارة الشاعر وموهبته الشعرية الساخرة أعطت القصيدة دفقاً جديداً ولوناً متميزاً في ساحة الأدب العربي المعاصر ، وإن سخريته شكّلت حقيقة تميزه عن غيره من شعراء العربية المعاصرين ؛ لأنّه وظّفها بوعيٍ خدمة لبناء نص شعري إبداعي , حتى أنها شكّلت طابعاً مميزاً لإعماله الشعرية ، وصارت علامة يمكن أن يتلمسها القارئ في شعره.
3- أزاحت الدراسة الغبار عن الإنسان المهمّش , وسحبت البساط من تحت الأبطال المزيفين بعد أن احتلوا واجهة الحياة بواقعها المعيش , وإبراز المهمشين كأبطالٍ لها ؛ لأنهم من يصنعون الحياة الحقيقية حسب رؤية الشاعر , وإن إطلاق صفة المهمش ليست محصورة على الإنسان وإنما على أشياء بسيطة وكثيرة في الحياة , وهو المشروع الذي تبناه الشاعر ويسعى إلى إبرازه في تجربته الأدبية ولاسيما الشعرية.
4- بيًّنت الدراسة أن مرجعية ظاهرة السخرية والتي تأصّلت في شعره عبر المضامين والأساليب المتنوعة التي اتخذها قد تأسست من واقع الشاعر السياسي والاجتماعي والحضاري العام بما فيه من ملابسات وتناقضات. وعملت هذه المرجعية التي تختزنها ذاكرته على تشكيل رؤية الشاعر للمجتمع والحياة والعالم.